فخر الدين الرازي

526

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قال المراد مجموع تلك الأيام ، فبعيد لأنه يقتضي تفسير اليوم بالأيام الكثيرة ، وهو خلاف الظاهر . فإن قيل : لم سمي ذلك بالحج الأكبر ؟ قلنا فيه وجوه : الأول : أن هذا هو الحج الأكبر ، لأن العمرة تسمى الحج الأصغر . الثاني : / أنه جعل الوقوف بعرفة هو الحج الأكبر لأنه معظم واجباته ، لأنه إذا فات الحج ، وكذلك إن أريد به يوم النحر ، لأن ما يفعل فيه معظم أفعال الحج الأكبر الثالث : قال الحسن : سمي ذلك اليوم بيوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه ، وموافقته لأعياد أهل الكتاب ، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده ، فعظم ذلك اليوم في قلب كل مؤمن وكافر . طعن الأصم في هذا الوجه وقال : عيد الكفار فيه سخط ، وهذا الطعن ضعيف ، لأن المراد أن ذلك اليوم يوم استعظمه جميع الطوائف ، وكان من وصفه بالأكبر أولئك . والرابع : سمي بذلك لأن المسلمين والمشركين حجوا في تلك السنة . والخامس : الأكبر الوقوف بعرفة ، والأصغر النحر ، وهو قول عطاء ومجاهد . السادس : الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد ، وهو منقول عن مجاهد . ثم إنه تعالى بين أن ذلك الأذان بأي شيء كان ؟ فقال : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ وفيه مباحث : البحث الأول : لقائل أن يقول : لا فرق بين قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وبين قوله : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فما الفائدة في هذا التكرير ؟ والجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : أن المقصود من الكلام الأول الإخبار بثبوت البراءة ، والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت . والوجه الثاني : أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد ، ومن الكلام الثاني البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد ، والذي يدل على حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى برئ إليهم ، وفي الثانية : برئ منهم ، والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضاً ، ونبه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا الكفار وأن يتبرءوا منهم ، فههنا بين أنه تعالى كما يتولى المؤمنين فهو يتبرأ عن المشركين ويذمهم ويلعنهم ، وكذلك الرسول ، ولذلك أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة . والوجه الثالث : في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول ، أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد . وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن وصفهم بوصف معين ، تنبيهاً على أن الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم . البحث الثاني : قوله : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فيه حذف والتقدير : وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بأن اللَّه بريء من المشركين إلا أنه حذف الباء لدلالة الكلام عليه . واعلم أن في رفع قوله : وَرَسُولِهِ وجوها : الأول : أنه رفع بالابتداء وخبره مضمر ، والتقدير ورسوله أيضاً بريء والخبر عن اللَّه دل على الخبر عن الرسول . والثاني : أنه عطف على المنوي في بريء فإن التقدير بريء هو ورسوله من المشركين . الثالث : أن قوله : أَنَّ اللَّهَ رفع بالابتداء وقوله : بَرِيءٌ خبره وقوله : وَرَسُولِهِ عطف على المبتدأ الأول . قال صاحب « الكشاف » : وقد قرئ بالنصب عطفاً على اسم أن لأن الواو